في تلك الليلة التي ارتجفت فيها نوافذ الرمثا من صمتٍ ثقيل، لم يكن الظلام سيدَ المكان، بل كانت العيون الساهرة هي التي تمسك بخيوط الأمان، وتنسج للوطن غدًا أكثر طمأنينة.
ليلة لم تُفتَح فيها الأبواب على خوف، بل على يقين… يقين بأن هناك من يقف بين الناس والخطر، من يضع صدره درعًا لتبقى البيوت مضاءة بالسلام.
خرجت الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها فرسان الحق، بخطى ثابتة تشبه وقع القصائد على أرضٍ عطشى. رجالٌ يمشون ووراءهم تاريخٌ طويل من الوفاء، وأمامهم وطن يستحق أن يُحمى، مهما كانت الطرق ضيقة، والريح قوية، والخصوم متربصين.
كانت المداهمة في الرمثا أشبه بمشهد تتداخل فيه البطولة مع الحكمة؛
لم يكن صهيل الخيول يسمع، لكن وقع أقدام الرجال كان أعلى من كل ضجيج
ولم تكن سيوفٌ تُشهر، لكن الحزم في وجوههم كان يبرق كحدّ النهار، ولم يكن الليل عدوًّا، بل رفيقًا يفسح الطريق لمن يحمل النور بين يديه.
تقدّم فرسان الحق بهدوءٍ شديد… هدوء العارفين أنهم لا يذهبون إلى معركة، بل إلى أمانٍ يجب استعاده، أصابعهم على الزناد، وقلوبهم معلّقة بأناس ٍنائمين خلف جدران طمأنينة، لا يعرفون أن هناك من يسهر كي يطيل مدة نومهم بلا خوف.
وحين اقتربوا من الهدف، بدا المشهد كلوحةٍ مرسومة بدقّة:
ظلٌّ يسبق ظلًّا، وإشارة صامتة تفتح الطريق، وهمسٌ يقول: “هنا الوطن… لا مجال للخطأ”.
انطلقت العملية كنبضةٍ واحدة، حاسمة، لا ارتباك فيها، وتحوّلت الأزقة إلى مسارح للعدالة، وتحوّل رجال الأمن إلى شخوص من قصصٍ تُروى للأجيال:
قصص شجاعة لا تبحث عن التصفيق، بل عن حياةٍ تُنقذ، وعن وطنٍ يبقى واقفًا رغم كل العواصف.
وفي لحظةٍ خاطفة، كان الخطر الذي توهّم أنه جدارٌ لا يُكسر، يتهاوى أمام عزيمة من تربّوا على حماية الأرض، لا على تركها للظلام، وانتهى المشهد كما يبدأ الفجر بلا ضجيج، بلا فوضى، بلا مبالغة، انتهى بسلامٍ يعود إلى مكانه، وأمانٍ يمدّ يده للناس كالنسيم الأول في صباحٍ جديد.
وعادت الرمثا فجرًا، تمسح عن ملامحها غبار الليل، وتنهض على وقع خبرٍ مطمئن:
هناك رجال لا ينامون كي لا نخاف… رجال يكتبون الأمن بالدم، لا بالحبر.
وهكذا، بقيت المداهمة ليست قصة أمنية وحسب، بل سطرًا جديدًا في كتاب الوطن، يوقّعه فرسان الحق بقلوبٍ من نار، وضمائر من نور، ليقولوا للجميع:
هنا الأردن… وهنا شعب لا ينكسر، وجنود لا يتراجعون، ووطن يُحمى بعيونٍ لا تعرف النوم.
بقلم الدكتور طارق الوحوش

