د.نضال جقامه
أعلن سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني حفظه الله عن عودة خدمة العلم في الأردن، خطوة وطنية سامية، تعكس رؤية ثاقبة نحو شبابٍ هم عماد المجتمع، وطاقته المتجددة، ومستقبل الأمة الواعد. الشباب ثروة حقيقية إذا ما وُظِّفت في مسارها الصحيح، وقُدّرت قيمتها، فهي طاقة لا يجب أن تضيع في الفراغ أو تُستغل في مسالك مضللة.
في عالم تتزايد فيه المؤثرات الفكرية والاجتماعية، تتجه الجماعات المتطرفة والأحزاب لاستمالة الشباب، مستغلة العواطف وقلب الحقائق، وأحيانًا استغلال الخطاب الديني التضليلي لكسب الولاء العاطفي، هنا تظهر دور مؤسسات الدولة وبيوت الحكمة والفكر للحفاظ على هذه الفئة من السقوط في براثن الفكر الأسود وجماعاته.
قريباً سنرى شبابنا الذي نُحِب ينخرط في مدرسة الانضباط والتنشئة الوطنية، حيث خدمة العلم التي تعيد ترتيب حياة الشباب، تضبط ساعاتهم، وتحصنهم من فراغ قد يفسد مسيرتهم، فكما يُقال: الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك.
الحياة العسكرية ليست مجرد تدريب جسدي، بل درس في الصبر والمثابرة، وتجربة في اكتشاف الطاقات الكامنة في الفرد، فالشاب يدرك من خلالها قدرته على التحمل، ويستشعر مسؤوليته أمام وطنه، إذ تتجلى أمامه الحقيقة الكبرى: لا ولاء يعلو فوق الولاء لتراب الوطن، ولا قيمة أو منصب دون الالتزام بالواجب الوطني.
وتعزز الخدمة العسكرية الاعتماد على النفس والتحرر من التبعية المطلقة للأسرة، وتعيد للشباب نظام حياتهم بعد الانغماس في الإدمان السلبي على الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، وتمنحهم فرصة تذوق جمال الفجر وهدوء الصباح الباكر، وإدراك قيمة كل ساعة في يومهم وربطها بالإنجاز والعطاء.
كما تزرع الحياة العسكرية في النفوس قيم الاحترام والتقدير، احترام الآخرين، وتنفيذ الأوامر، وتقدير القائد، وترويض النفس وكبح جماحها، والحفاظ على الصحة الجسدية من خلال النوم الصحيح، الرياضة، والتغذية المتوازنة، إنها تنمي شعور الشباب بالتقدير الصادق للجهد والعمل، وفهم أن المال والثروة لا يُنالان إلا بالكد والمثابرة والسهر.
إنها بالفعل مصنع الرجال، وما أحوج وطننا اليوم إلى هذا المصنع، ليصنع جيلًا واعيًا، متوازنًا، مدركًا لمسؤولياته، ملتزمًا تجاه وطنه، مستعدًا لمواجهة تحديات الحياة الداخلية والخارجية، والبذل والفداء في سبيل القيم العليا لتراب الأردن الغالي.
ففي معسكراته يتعلم الشباب أن الحياة ليست سهلة، وأن المشقة تصقل الإنسان وتجعله يقدر كل شيء، وتكشف له طاقاته الخفية، وتزرع فيه روح المسؤولية، وتقدير قيمة الوقت والعمل، فتخرج منه أرواح صلبة وعقول واعية، وقلوب نابضة بالانتماء.